محمد بن جرير الطبري
104
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ينبئ عنه أنه كان يرى أن الذرية في هذا الموضع هم بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون . وأولى هذه الأَقوال عندي بتأويل الآية القول الذي ذكرته عن مجاهد ، وهو أن الذرية في هذا الموضع أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل ، فهلكوا قبل أن يقروا بنبوته لطول الزمان ، فأدركت ذريتهم فآمن منهم من ذكر الله بموسى . وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأَنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى ، فلأَن تكون الهاء في قوله " من قومه " من ذكر موسى لقربها من ذكره ، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبعد ذكره منها ، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر . وبعد ، فإن في قوله : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ الدليل الواضح على أن الهاء في قوله : إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ من ذكر موسى لا من ذكر فرعون ؛ لأَنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام : " على خوف منه " ، ولم يكن عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وأما قوله : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرية قوم موسى بموسى . فتأويل الكلام : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه من بني إسرائيل وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم . وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ، لأَن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط ، فقيل لهم الذرية من أجل ذلك ، كما قيل لأَبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم : أبناء . والمعروف من معنى الذرية في كلام العرب : أنها أعقاب من نسبت إليه من قبل الرجال والنساء ، كما قال جل ثناؤه : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وكما قال : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ثم قال بعد : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم . وأما قوله : وَمَلَائِهِمْ فإن الملأ : الأَشراف . وتأويل الكلام : على خوف من فرعون ومن أشرافهم . واختلف أهل العربية فيمن عني بالهاء والميم اللتين في قوله : وَمَلَائِهِمْ فقال بعض نحويي البصرة : عني بها الذرية . وكأنه وجه الكلام إلى : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ، على خوف من فرعون ، وملأ الذرية من بني إسرائيل . وقال بعض نحويي الكوفة : عني بهما فرعون ، قال : وإنما جاز ذلك وفرعون واحد ؛ لأَن الملك إذا ذكر لخوف أو سفر وقدوم من سفر ذهب الوهم إليه وإلى من معه . وقال : ألا ترى أنك تقول : قدم الخليفة فكثر الناس ، تريد بمن معه ، وقدم فغلت الأَسعار ؟ لأَنا ننوي بقدومه قدوم من معه . قال : وقد يكون يريد أن بفرعون آل فرعون ، ويحذف آل فرعون فيجوز ، كما قال : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يريد أهل القرية ، والله أعلم . قال : ومثله قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأولى الأَقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : الهاء والميم عائدتان على الذرية . ووجه معنى الكلام إلى أنه على خوف من فرعون ، وملأ الذرية ؛ لأَنه كان في ذرية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيا وأمه إسرائيلية ، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعون على موسى . وقوله : أَنْ يَفْتِنَهُمْ يقول : كان إيمان من آمن من ذرية قوم موسى على خوف من فرعون أن يفتنهم بالعذاب ، فيصدهم عن دينهم ، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله . وقال : أَنْ يَفْتِنَهُمْ فوحد ولم يقل : " أن يفتنوهم " ، لدليل الخبر عن فرعون بذلك أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه لما قد تقدم من قوله : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ وقوله : وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : وإن فرعون لجبار مستكبر على الله في أرضه . وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ وإنه لمن المتجاوزين الحق